مقالات أدبية

يوما ما – أحمد خالد توفيق

مقالات

يومًا ما عندما أجمع المادة العلمية الكافية سوف أكتب دراسة علمية أكاديمية رصينة عن العلاقة بين حفلات الزفاف حول حمامات السباحة وارتفاع معدلات الطلاق. لا أريد أن أكون غراب بين لكني لا أتوقع انسجام الزوجين متى رأيت أن الزفاف يُعقد حول حمام سباحة في ناد. سوف يكون بحثًا علميًا مهمًا يبلغ عدد صفحاته نحو مائتي صفحة من القطع المتوسط. وسوف تفرد له مجلة لانست العالمية عددًا كاملاً.

لكن حتى تأتي تلك اللحظة سأكتفي بسرد القصة التي جعلتني أتنبه لهذا .

رانية كانت فاتنة كليتنا. أعتقد أن كل طالب في الكلية قد حلم بأن يعطيها زهرة .. أما الطلاب الأكثر وقاحة وثراء فكانوا يحلمون بأن تعطيهم هي زهرة .

رانية كانت فاتنة كليتنا وكانت كذلك صديقتي .. السبب كما قالت هو إنني الإنسان المحترم الوحيد الذي لم يسبل عينيه ويعلن أنه يهيم بها. بهذه العبارة وضعت سدادة من الفلين على فمي كأنني زجاجة زيت تموين. ولم يعد واردًا بأي شكل أن أظهر لها ما أخفيه .

في السنة النهائية تقدم لرانية عريس ثري أمضى معظم حياته في الخارج،وقد قبلت الزواج منه لأنها بالطبع لن تقبل بأي واحد من هؤلاء المتشردين زملائها في الكلية. ودعتني مع مجموعة من الأصدقاء فتيات وفتيان إلى الزفاف

إقرأ أيضا:لماذا من الرائع أن تكون رجلاً ؟

ذهبنا في الموعد المقرر إلى النادي لنجد مشهدًا من ألف ليلة وليلة.. حمام السباحة يسبح في الأضواء الملونة، على حين تطفو فوق الماء بالونات وورود.. وهناك فتيات صغيرات كالفراشات يتواثبن هنا وهناك بينما الفرقة تعزف لحنًا راقيًا .

المشكلة الوحيدة هي الهاموش، والهاموش هي تلك الحشرة الدقيقة المزعجة التي تطير حولك وتلدغ أنفك فتعطس، أو تلدغ عينيك فتدمعا، أو تلدغ جلدك فتهرش .. لابد من الكثير من الهاموش مع مياه الحمام والإضاءة الليلية .

و كان العريس كما توقعته.هو يفوقها سنًا بعشر سنوات على الأقل، ووغد متشكك تعلم أن كل الناس الأوغاد مثله لابد من التعامل معهم بحذر. وعندما رآنا نجلس قرب الكوشة راح ينظر لنا في كراهية .زملاء زوجته في الكلية الذين يماثلونها عمرًا .. هؤلاء الأوغاد .. ليس منهم واحد بالطبع إلا وقد حلم بأنه تزوجها هو أو ربما حلم بما هو أسوأ.

راح ينظر لنا في مقت شديد ولسان حاله يقول: انتهت اللعبة يا أنذال .. هذه الحسناء لي أنا وحدي وعليكم أن تعودوا لبيوتكم لتعبثوا في أنوفكم وتناموا مبكرًا .. أخيرًا جاء وقت الانصراف، وهكذا مشينا في صف لنصافح الزوجين مهنئين.العريس يصافح كل واحد منا بينما رانية تقدمه له. هذا ماجد وهو صديق مخلص .. تشرفنا يا سيد ماجد .. وهذا عصام وهو صديق نبيل .. تشرفنا يا سيد عصام ..

إقرأ أيضا:لماذا من الرائع أن تكون رجلاً ؟

العريس يحتقن ووجهه يحمر ويحمر .. كل هؤلاء يحبونها ؟.

أخيرًا اقترب دوري فضممت سترتي وتوجهت لأصافحه، هنا اخترقت عيني تلك اللدغة من هاموشة وقحة متحمسة .

أخرجت المنديل ومسحت عيني، لكنها ظلت تدمع بلا انقطاع وأدركت أنها بالتأكيد حمراء كالطماطم. على هذه الصورة دنوت لأصافح العريس .. عين حمراء ودموع تسيل بلا انقطاع ومنديل في يدي .. دعك من تلك الرعشة العصبية التي أصابت زاوية فمي من الألم ..

ـ”أحمد … صديق نادر ..”

مددت يدي أصافح الرجل وأنا انشق بأنفي لأمنع المخاط من أن يسيل. رأيته يصافحني قد ازدحمت الشكوك على وجهه حتى لم يبق موضع لقدم. صديق زوجته قبل الزواج يأتي ليهنئها في حفل الزفاف دامع العينين متقرح الجفنين .. ما معنى هذا ؟

إقرأ أيضا:ماذا علمتني الحياة ؟ د جلال أمين

لابد أنه تذكر (ورد) زوج ليلى العامرية الذي لم يجد حلاً لحب زوجته لقيس سوى أن يقول للأخير: ”أنت حبيب القلب والزوج أنا..” ، ولابد أنه توقع أن اصعد إلى المسرح لأغني: ”حبيبها لست وحدك .. حبيبها أنا قبلك .. وربما جئت بعدك .. وربما كنت مثلك !”

هكذا ظل يراقبني في شك مجنون ووجهه أحمر كالطماطم المغتاظة، وظلت عيناه تتبعانني حتى وأنا أبتعد .. على باب النادي نظرت فوجدته ما زال ينظر لي .

حسن .. أنت تعرف ما حدث بعد شهرين .. لقد طلقت رانية .. لست مغرورًا فأزعم أنني كنت السبب الوحيد لكن لا تنكر أنني كنت ما يمكن تسميته (مسمار في نعش العلاقة الزوجية).

هل السبب أنه مجنون ؟.. أم السبب هي تلك الهاموشة اللعينة ؟.. أم السبب هو حمام السباحة ؟.. لم أكون رأيًا عامًا بعد ، لكني أعدك بتقديم هذا الرأي ضمن الدراسة الأكاديمية المعقدة التي أنوي كتابتها يومًا ما عن علاقة حمامات السباحة بالطلاق.

أحمد خالد توفيق مقالات فقاقيع

السابق
قالوا ناس زمان في الحياة ( شعر ) – الجزء 4
التالي
أقوال وإقتباسات في طلب الحكمة

اترك تعليقاً